يحيي بن حمزة العلوي اليمني
49
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الفصل السادس في [ الإيجاز والحذف ، ويقال له : الإشارة ] أيضا ، يقال : أوجز في كلامه ، إذا قصره ، وكلام وجيز أي قصير ، ومعناه في اصطلاح علماء البيان : هو اندراج المعاني المتكاثرة تحت اللفظ القليل ، وأصدق مثال فيه قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : 94 ] فهاتان الكلمتان قد جمعتا معاني الرسالة كلها ، واشتملت على كليات النبوة ، وأجزائها ، وكقوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) [ الأعراف : 199 ] فهذه الكلمات على قصرها وتقارب أطرافها قد احتوت على جميع مكارم الأخلاق ، ومحامد الشيم ، وشريف الخصال ، وهذا هو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أوتيت جوامع الكلم » فالكلم جمع كلمة ، والجوامع جمع جامعة ، كضاربة وضوارب ، والغرض بما قاله هو أنه عليه السلام مكن من الألفاظ المختصرة التي تدل على المعاني الغزيرة ، وأنت إذا فكرت في كلامه وجدت جل كلماته جارية هذا المجرى ، ولهذا فإن الناظرين في السنة النبوية الدالة على الأحكام الشرعية ، والحكم الأدبية لا تزال المعاني المستخرجة منها غضة طرية على تكرر الأعوام وتطاول الأزمان ، ومع ذلك فإنهم ما أحاطوا بغايتها ولا بلغوا نهايتها ، وهذا كقوله عليه السلام : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » . فإن هذه الكلمة مشتملة على معان شرعية ، وآداب حكمية تزيد على الحد وتفوت على العبد ، وهكذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الخراج بالضّمان » فإن تحته أسرارا فقهية ، وبدائع علمية ، تشتمل عليها كتب الفقه ، ومن ثم اتسع نطاق الاجتهاد وعظمت فوائده ، فحصل من هذا أن الإيجاز من أعظم قواعد البلاغة ، ومن مهمات علومها ، ومواقعه في القرآن أكثر من أن تحصى ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن جماعة من علماء البيان زعموا أن الكلام قسمان ؛ فمنه ما يحسن فيه الإيجاز والاختصار ، وهذا نحو الأشعار ، والمكاتبات ، وأنواع التصانيف في العلوم والآداب ، ومنه ما يحسن فيه التطويل ، وهذا نحو الخطب وأنواع الوعظ التي تفعل من أجل العوام فإن الكلام إذا طال أثر ذلك في قلوبهم ، وكانوا أسرع إلى قبوله ، واعتلوا بأنه لو اقتصر على الإيجاز والاختصار فإنه لا يقع لأكثرهم نفع ، ولا يجدى ذلك في حقه ، وهذا فاسد لا وجه له ، فإن الإيجاز الذي لا يخل بمعانى الكلام هو اللائق بالفصاحة والبلاغة وعلى هذا ورد التنزيل ، والسنة النبوية ، وكلام أمير المؤمنين ، وغير ذلك من فصيح كلام العرب ، فإنه مبنى على الإيجاز الدال على المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة ، وما زعموه من إفهام العامة فإن إفهامهم ليس